فصل: تفسير الآيات (89- 91):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (73):

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)}
{لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثة} أَيْ: ثالث ثلاثةٍ من الآلهة، والمعنى: أنَّهم قالوا: اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة: هو، والمسيح، ومريم؛ فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة، فكفروا بذلك.

.تفسير الآيات (75- 80):

{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)}
{ما المسيحُ ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل} أَيْ: إنَّه رسولٌ ليس بإلهٍ، كما أنَّ مَنْ قبله كانوا رسلاً {وأمه صديقة} صدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه {كانا يأكلان الطعام} يريد: هما لحمٌ ودمٌ يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوَّطان، وهذه ليست من أوصاف الإِلهيَّة {انظر كيف نبيِّن لهم الآيات} نفسِّر لهم أمر ربوبيتي {ثم انظر أنى يؤفكون} يُصرفون عن الحقِّ الذي يؤدِّي إليه تدبُّر الآيات.
{قل} للنَّصارى: {أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} يعني: المسيح؛ لأنَّه لا يملك ذلك إلاَّ الله عزَّ وجلَّ {والله هو السميع} لكفركم {العليم} بضميركم.
{قل يا أهل الكتاب} يعني: اليهود والنَّصارى {لا تغلوا في دينكم} لا تخرجوا عن الحدِّ في عيسى، وغُلوُّ اليهود فيه بتكذيبهم إيَّاه، ونسبته إلى أنَّه لغير رِشدة، وغُلوُّ النصارى فيه ادِّعاؤهم الإِلهيَّة له، قوله: {غير الحق} أَيْ: مخالفين للحق {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} يعني: رؤساءهم الذين مضوا من الفريقين: أَيْ: لا تتبعوا أسلافكم فيما ابتدعوه بأهوائهم {وضلوا عن سواء السبيل} عن قصد الطَّريق بإضلالهم الكثير.
{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} يعني: أصحاب السَّبت، وأصحاب المائدة {على لسان داود} لأنَّهم لمَّا اعتدوا قال داود عليه السَّلام: اللَّهم العنهم واجعلهم آيةً لخلقك، فمسخوا قردة على لسان داود {وعيسى ابن مريم} عليه السَّلام؛ لأنَّه لعن مَنْ لم يؤمن من أصحاب المائدة، فقال: اللهم العنهم كما لعنتَ السَّبت، فمسخوا خنازير.
{كانوا لا يتناهون} لا ينتهون {عن منكر فعلوه}.
{ترى كثيراً منهم} من اليهود {يتولون الذين كفروا} كفَّار مكة {لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} بئسما قدَّموا من العمل لمعادهم في الآخرة سُخطَ الله عليهم.

.تفسير الآيات (82- 84):

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)}
{لتجدنَّ} يا محمد {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} وذلك أنَّهم ظاهروا المشركين على المؤمنين حسداً للنبيِّ عليه السَّلام {ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} يعني: النَّجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله صلى الله وعليه وسلم وآمنوا به، ولم يرد جميع النَّصارى {ذلك} يعني: قرب المودَّة {بأنَّ منهم قسيسين ورهباناً} أَيْ: علماء بوصاة عيسى بالإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام {وأنهم لا يستكبرون} عن اتِّباع الحقِّ كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان.
{وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} يعني: النجاشيَّ وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة {كهعيص} فما زالوا يبكون، وهو قوله: {ترى أعينهم تَفيضُ من الدمع ممَّا عرفوا من الحق} يريد: الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ {يقولون ربنا آمنا} وصدَّقنا {فاكتبنا مع الشاهدين} مع أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحقِّ.
{ومالنا لا نؤمن بالله} أَيْ: أيُّ شيءٍ لنا إذا تركنا الإِيمان بالله {وما جاءنا من الحق} أَيْ: القرآن {و} نحن {نطمع أن يدخلنا ربنا} الجنَّة مع أمَّة محمَّد عليه السَّلام. يعنون: أنَّهم لا شيء لهم إذا لم يؤمنوا بالقرآن، ولا يتحقق طمعهم في دخول الجنَّة.

.تفسير الآيات (85- 87):

{فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)}
{فأثابهم الله بما قالوا} يعني: بما سألوا الله من قولهم: {فاكتبنا مع الشاهدين} وقولهم: {ونطمع أن يدخلنا ربنا...} الآية. {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك} أي: الثَّواب {جزاء المحسنين} الموحِّدين، ثمَّ ذكر الوعيد لمَنْ كفر من أهل الكتاب وغيرهم، فقال: {والذين كفروا وكَذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلَّ الله لكم} هم قومٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم تعاهدوا أن يحرِّموا على أنفسهم المطاعم الطَّيِّبة، وأن يصوموا النَّهار ويقوموا اللَّيل، ويُخْصُوا أنفسهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسمَّى الخِصاء اعتداءً، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، إنَّا كنَّا قد حلفنا على ذلك.

.تفسير الآيات (89- 91):

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}
{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وفسَّرْنا هذا في سورة البقرة {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} وهو أن يقصد الأمر، فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمِّداً {فكفارته} إذا حنثتم {إطعام عشرة مساكين} لكلِّ مسكين مدٌّ، وهو رطلٌ وثلث، وهو قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} لأنَّ هذا القدر وسط في الشِّبع. وقيل: من خير ما تطعمون أهليكم، كالحنطة والتمر {أو كسوتهم} وهو أقلُّ ما يقع عليه اسم الكسوة من إزارٍ، ورداءٍ، وقميصٍ {أو تحرير رقبة} يعني: مؤمنة، والمُكفِّر في اليمين مُخيَّر بين هذه الثَّلاث {فمن لم يجد} يعني: لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين {ف} عليه {صيام ثلاثة أيام} {واحفظوا أيمانكم} فلا تحلفوا، واحفظوها عن الحنث.
{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر} يعني: الأشربة التي تخمَّر حتى تشتدَّ وتُسْكِر {والميسر} القمار بجميع أنواعه {والأنصاب} الأوثان {والأزلام} قداح الاستقسام التي ذُكرت في أوَّل السُّورة {رجسٌ} قذرٌ قبيحٌ {من عمل الشيطان} ممَّا يسِّوله الشِّيطان لبني آدم {فاجتنبوه} كونوا جانباً منه.
{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح، والإِقدام على ما يمنع منه العقل {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} لأنَّ مَن اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصَّلاة {فهل أنتم منتهون} استفهامٌ بمعنى الأمر قالوا: انتهينا، ثمَّ أمر بالطَّاعة.

.تفسير الآيات (92- 96):

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)}
{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} المحارم والمناهي {فإن توليتم} عن الطَّاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} فليس عليه إلاَّ البلاغ، فإن أطعتم وإلاَّ استحققتم العقاب، فلمَّا نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربونها، ويأكلون الميسر؟ فنزل: {ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا} من الخمر والميسر قبل التحريم {إذا ما اتقوا} المعاصي والشِّرك {ثمَّ اتقوا} داموا على تقواهم {ثم اتقوا} ظلم العباد من ضمِّ الإِحسان إليه.
{يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} كان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطيَّر تغشاهم في رحالهم كثيرة، وهم مُحْرِمون ابتلاءً من الله تعالى. {تناله أيديكم} يعني: الفراخ والصِّغار {ورماحكم} يعني: الكبار {ليعلم الله} ليرى الله {مَنْ يخافه بالغيب} أَيْ: مَنْ يخاف الله ولم يره {فمن اعتدى} ظلم بأخذ الصَّيد {بعد ذلك} بعد النَّهي {فله عذابٌ إليم}.
{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} حرَّم الله قتل الصَّيد على المُحْرِم، فليس له أن يتعرَّض للصَّيد بوجهٍ من الوجوه ما دام مُحرماً {ومَنْ قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} أَيْ: فعليه جزاءٌ مماثل للمقتول من النَّعم في الخِلقة، ففي النَّعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضَّبع كبش، على هذا التَّقدير {يحكم به ذوا عدل} يحكم في الصَّيد بالجزاء رجلان صالحان {منكم} من أهل ملَّتكم فينظران إلى أشبه الأشياء به من النَّعم، فيحكمان به {هدياً بالغ الكعبة} أَيْ: إذا أتى مكة ذبحه، وتصدَّق به {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك} أَيْ: مثل ذلك {صياماً} والمُحرِم إذا قتل صيداً كان مخيَّراً؛ إن شاء جزاه بمثله من النَّعم؛ وإن شاء قوَّم المثل دراهم، ثمَّ الدراهم طعاماً، ثمَّ يتصَّدق به، وإن شاء صام عن كلِّ مدٍّ يوماً {ليذوق وبال أمره} جزاء ما صنع {عفا الله عما سلف} قبل التَّحريم {ومن عاد فينتقم الله منه} مَنْ عاد إلى قتل الصَّيد مُحرماً حُكم عليه ثانياً، وهو بصدد الوعيد {والله عزيز} منيع {ذو انتقام} من أهل معصيته.
{أحلَّ لكم صيد البحر} ما أُصيب من داخله، وهذا الإِحلالُ عامٌّ لكلِّ أحد مُحرِماً كان أو مُحِلاًّ {وطعامه} وهو ما نضب عنه الماء ولم يُصَد {متاعاً لكم وللسيارة} منفعة للمقيم والمسافر، يبيعون ويتزوَّدون منه، ثمَّ أعاد تحريم الصَّيد في حال الإِحرام، فقال: {وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً واتقوا الله الذي إليه تحشرون} خافوا الله الذي إليه تبعثون.

.تفسير الآية رقم (97):

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)}
{جعل الله الكعبة البيت الحرام} يعني: البيت الذي حرَّم أن يصاد عنده، ويختلى للحجِّ وقضاء النُّسك {والشهر الحرام} يعني: الأشهر الحرم، فذكر بلفظ الجنس {والهدي والقلائد} ذكرناه في أولَّ السورة، وهذه الجملة ذُكرت بعد ذكر البيت؛ لأنَّها من أسباب الحج فذكرت معه {ذلك} أَيْ: ذلك الذي أنبأتكم به في هذه السُّورة من أخبار الأنبياء، وأحوال المنافقين واليهود، وغير ذلك {لتعلموا أنَّ الله يعلم ما في السموات...} الآية. أَيْ: يدلُّكم ذلك على أن لا يخفى عليه شيء.

.تفسير الآيات (100- 101):

{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)}
{قل لا يستوي الخبيث والطيب} أَيْ: الحرام والحلال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} وذلك أنَّ أهل الدُّنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدُّنيا.
{يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم} نزلت حين «سُئل النبيُّ حتى أحفوه بالمسألة، فقام مُغضباً خطيباً، وقال: لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلاَّ أخبرتكموه، فقام رجلٌ من بني سهم يُطعن في نسبه فقال: مَنْ أبي؟ فقال: أبوك حذافة، وقام آخر فقال: أين أنا؟ فقال: في النَّار»، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهاهم أن يسألوه عمَّا يُحزنهم جوابه وإبداؤه، كسؤالِ مَنْ سأل عن موضعه، فقال: في النَّار، {وإن تسألوا عنها} أيْ: عن أشياء {حين ينزل القرآن} فيها {تُبدَ لكم} يعني: ما ينزل فيه القرآن من فرضٍ، أو نهيٍ، أو حكمٍ، ومسَّت الحاجة إلى بيانه، فإذا سالتم عنها حينئذٍ تبدى لكم. {عفا الله عنها} أَيْ: عن مسألتكم ممَّا كرهه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا حاجة بكم إلى بيانه. نهاهم أن يعودوا إلى مثل ذلك، وأخبر أنَّه عفا عمَّا فعلوا {والله غفورٌ حليم} لا يعجل بالعقوبة، ثمَّ أخبرهم عن حال مَنْ تكلَّف سؤال ما لم يُكلَّفوا.

.تفسير الآيات (102- 105):

{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}
{قد سألها} أَي: الآيات {قومٌ من قبلكم...} الآية. يعني: قوم عيسى سألوا المائدة ثمَّ كفروا بها، وقوم صالح سألوا النَّاقة ثمَّ عقروها.
{ما جعل الله من بحيرة} أَيْ: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: النَّاقة إذا نُتجت خمسة أبطن شقُّوا أُذنها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها {ولا سائبة} هو ما كانوا يُسيبِّونه لآلهتهم في نذرٍ يلزمهم إنْ شفي مريض، أو قضيت لهم حاجة {ولا وصيلة} كانت الشَّاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذَّكر لآلهتهم {ولا حامٍ} إذا نُتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فلم يُركب ولم يُنتفع، وسيِّب لأصنامهم فلا يُحمل عليه {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} يتقوَّلون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام، وهم جعلوها مُحرَّمة لا الله، {وأكثرهم} يعني: أتباع رؤسائهم الذين سنُّوا لهم تحريم هذه الأنعام، {لا يعقلون} أنَّ ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله من الرُّؤساء.
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} في القرآن من تحليل ما حرَّمتم {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} من الدِّين {أَوَلوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} مفسَّرة في سورة البقرة.
{يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} احفظوها من ملابسة المعاصي والإِصرار على الذّنوب {لا يضرُّكم مَنْ ضلَّ} من أهل الكتاب {إذا اهتديتم} أنتم {إلى الله مرجعكم جميعاً} مصيركم ومصير مَنْ خالفكم، {فينبئكم بما كنتم تعملون} يُجازيكم بأعمالكم.